ماذا أقول

2006/10/30 13:57

بقلم: هاني عوكل

ماذا أقول فيك وأنت كل ملاذيِ
ومراهقتي في غمرة العشق
وقهوتي في الصباح والمساءِ
ماذا أقول فيك يا نجمة
أرافقك كل يوم
وأغزل فيك قصتي وشبابيِ...
وأصرخ العالم بحدوتنا
كأننا في الحب أسياد يا مولاتيِ...
ماذا أقول في دفء أنوثتك
وأنا الذي اكتويت فيها
واحترقت بين يداكِ..
واحترق جسدي ينطق رحمتك
ويقول اشتهي الموت من أجلك
وفداكِ...
ماذا أقول للتاريخ وأنت من يصنعه
بعطفك وعشقك
وهواكِ...
فيك سحر شرقي يجعل الحياة متعة
والحب متعة
والشتاء متعة
فيك كل أملي وصباي وأمجاديِ...
فيك اجتمعت كل طفولة الدنيا
فأنا مدمنك لأني
أستحضرك كل يوم
من شبّاك أفكاري واهتماماتي...
وأرحل إليك
بين ذراعيك
موطني وجنتي وكلماتيِ...
وفي ضحكتك هناك أكون
حاضراً في كل الأوقات
واللحظاتِ...
أنت الحب كله سيدتي
أنت ملهمتيِ...
أنت بين القصائد تتنقلين
في كل سطر.. وشعر..
حتى في أدواتيِ...

سجّل أبي "يمرض".. سجّل أنا أحتضر

2006/10/19 04:18
بقلم: هاني عوكل
 

 

التمست عذراً من نفسي حين تزاحمت دموعي تتساقط على أبي الذي بلغه الوجع في صحته. والدي الذي اشتعل رأسه شيباً ولم يشفع له عمره في الاستهتار بصحته، اراد خيراً لنفسه حينما قصد مشفى الشفاء بغزة "رافساً عزرائيل" حسبما قال أحد رفاقه.

 

لم يكن المرض قد اجتاح جسد والدي، وانما عوارض المرض كانت شاخصة تلتف حوله، فيما عرف بأنها بداية "جلطة"، واليقين انه سلّم نفسه للأطباء الذين تهافتوا في خدمته احتراما لشخصه وكرشه الذي يشكل له وجاهة.
كنت قد تمنعت عن التصريح، فلم يبلغني حدسي بعد بأن والدي سينام في المشفى لأجل العلاج، والسبب تنطلي عليه حنكة الاطباء وخطورة الحالة التي اجتهدوا في انه يجب معالجتها وقائياً، حتى تستقر حالته.
ابي ابو الاربعة والخمسين عاما، مدخن بامتياز، فهو صاحب قلم، وطالما توفرت السيجارة بجانب فنجان القهوة، يبدأ القلم في التخطيط والتشكيل و"يشتغل" الذهن في امتصاص افكاره مستنزفا كل طاقاته التي يبدعها على الورق.
احد اصدقاء ابي كان خائفا جدا على صحته، حتى انه اغدقنا في نصائحه بضرورة الانصراف عن اي من المسببات التي من شأنها ان تأكل من صحته، وكان انتقاده لأبي في انه كثير الكتابة كثير التفكير، وقد شبّه آلام التفكير بآلام الوضع عند المرأة الحامل، خصوصا ان الفكرة تحتاج الى بدعة، والتي لا تتشكل سوى عند المتمرسين في الكتابة، لذلك طلب من ابي الولوج الى الراحة والامتناع عن التفكير، حتى عن الحديث.
وأبي ايضا يهمل صحته بمقدار قلة النوم الذي يجلده على سوء تقديره لحاجة الجسد في المبيت، فمن المعروف ان ابي لا ينتظر من احد العمل او يطالبه بذلك، وانما يجتهد بنفسه في الغرق فيه وبذل الجهد على حساب راحته، لدرجة ان اصدقاءه اشتكوه لحركته الدائمة ومثابرته على حضوره الصاخب.
مفارقة تلذذت في الكشف عنها، لأنها تزامنت مع مكوث ابي في المشفى. فقد كانت زوجة اخي في مشفى آخر تكابد وجعها وتعاني آلام المخاض، الذي انتهى بولادة ابن اخي "يزن" وحفيد ابي الاول.
انقسم ألمنا في تلك الفترة وتحول الى شقين مجزأين بين الفرحة على قدوم يزن، والنكسة على مرض ابي الذي يناكفه في سريره. تبدلت احوالنا قليلا بعد ان كانت ملبدة، يزن يأتي الينا وشعورنا في استرخاء بطيء. يزن في الطريق، وقبل موعد قدومه انتظرناه والجلد بدأ ينتهي منا، وكانت صديقة عائلتي قد اتصلت مقدما بأبي لتعلمه بإبصار يزن وقدومه اليه، تاركة عواطفه في التبخر شيئا فشيئا خوفا من ان تنفجر بالدموع مع مجيء الحفيد الاول.
يقول ابي ويزن بين ذراعيه في المشفى بعد ساعات من الولادة، انه لا يكره ان يسمى حفيده باسمه، لكنه يخاف على المسمى من ابنه فراس (ابي يزن)، وكان من الممكن ان يكون ابا طلال، لولا ان اشهر بائع للفلافل اسمه ابو طلال، ومعلوم عند الآخرين كيف هي طبائع اهلنا وابناء جلدتنا في غزة، فهل سيرحمون طلال وأبا طلال من كثرة التعليقات والاستفزازات..؟ أما انا ابن ابي، والاصغر بعد اخي الاكبر فراس، فصرت عماً يتمتع بامتيازات كثيرة لعل اهمها، السؤال عن ابن اخي الذي أتشرف بمجيئه، وهو الاول لأخي الاول.
اعود بكم مرة اخرى الى ابي. كنت معه في محنته وصراعه مع المرض، بداية لم اكن قادرا على البكاء خوفا عليه من مشاعري، ولكني حينما اخرج من مكان تواجده ابكي عليه كمن يبكي على وطنه الذي توطن فيه ولم يغادره.. المهم انه قوي الارادة صلب العواطف ساعة المواقف والمنحدرات.
اذكر مرة وبينما ابي كان في اتصال مع أمي يطمئنها عن صحته، تحاملت عليه دموعه في الانتظار، فاستسلم لها ودعاها للسقوط، فانفجرت في داخلي وانا بجانبه في صمت مريب، وخرجت من غرفة تواجده، حتى طفحت بالبكاء.
المهم اني عالجت مشاعري بعضا من الوقت، وحبست انفاسي وكلي خوف من القادم، او من اية لحظة تجتر حالتي. ثم بدأت في استقبال الاقارب والزوار الذين تتابعوا في المجيء شيئا فشيئا للاستفسار عن صحة ابي.
حياتنا فيها الحلو وفيها المر، لكن الواقع يقول ان المر يطفو اكثر من الحلو، ولا احتاج انا للحديث عن المر، فهل في الاحتلال شيء حلو مثلا.. أما البقية فعندكم انتم...؟
مفارقة اخرى دعتني لتناولها. هي مع الاسف مؤسفة، لكن لا مناص من سردها لأنها تكونت اثناء حضور ابي في المشفى.
مريض يدخل المشفى ولم يناهز الخمسة والستين عاما حسب علمي. دخل على حمالة وقيل انه يحتضر بشهادة ابنائه. كنت جالسا بجانب ابي والحالة التي أتتنا المشفى كانت بالقرب منا. فقط نبعد عنها بضعة سنتيمترات وبيننا أستار. تهافت عدد كبير من الاطباء لمعالجة المريض فتيقنت انه يصارع الالم وربما هو في رحيل.. كنت مع ابي في لحظة ترقب ولاحقاً تشنج، الخطر يداهم المريض ويتربص به رويدا حتى صرعه. ولم ينفع العلاج معه، فقد كان يعاني من جلطة اجتاحته بقوة واستقرت في قلبه. اذكر انه قال: "اين انا.. اين انا"، ثم نام عميقا وتأكدت انه لن يعود. مات في صمت وفارقت روحه جسده.
"رحمه الله"، رددها الاطباء لأبناء المرحوم وهم يجهشون في بكاء حاد. وانا الذي كنت جالسا بالقرب من ابي، ألاحظ المرحوم بجانبي والالم يعتصرني، واسترق نظراتي خلسة نحو ابي وخوفا عليه.
دقات قلبه تعلو بشكل مرتفع "هذا ما ترجمه جهاز تخطيط القلب". نعم تداركت ان ابي تأثر بموت المريض، واستعنت بعضا من استهتاري لأبعد المشهد التراجيدي عنه. كان لا بد لي من احتواء ذلك المشهد، لأن العامل النفسي كان يضغط باتجاه تكبيل ابي وتوتيره رغم انه ادعى تعامله مع الموقف بالتبسيط المؤسف، حتى انه تناساه، الا ان داخله كان يعيش في حذر مخيف.
ابي الآن في المنزل ينتظر العلاج في الخارج.. وانا انتظر هنا وأكابد همي وحزني عليه.. ولن ابكيه في صخب لطالما أتأمله اقوى من المرض، ولن أنصرف عنه حتى ينصرف عنه.. ابي، الكلام بداية ومشاعري ما فيها من نهاية.. لك مني تحية وأتمنى لو كنت انا الضحية.. سجل أبي مريض.. سجل انا احتضر........

 

syfpal.org/vb